الأحد، 29 ديسمبر 2013

الآواني النحاسية من المطبخ إلى رفوف محال التحفيات



حيدر الكعبي....
سوق الصفافير في النجف الاشرف عبارة عن مجموعة من المحال متفرع من السوق الكبير(سوق الذهب)، وهو أحد الأسواق التراثية في النجف حيث يعود تاريخه إلى عشرات السنين، وهو يعطي المدينة القديمة في النجف نكهة القدم والأصالة، ولكنه مع التطور الحاصل في حياة العائلة النجفية تحول من سوق يحوي على ما يقارب 60 محل للصفارة إلى سوق لا يحمل من المهنة سوى الأسم.
يقول مفيد الموسوي (باحث في الفلوكلور) ان " الصفار كمهنة موجودة منذ القدم وقبل زمن العباسيين وحتى الميلاد والدليل على قدمة ما وجد هو تاج من زمن الحضارة الاكدية في اثار أور ويرجع تاريخها الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد ومع التاج كان هناك ترصيع لاحجار كريمة فلو وصفت هذه المهنة في السلم التاريخي لوجدتها اولى المهن للحاجة الملحة اليها في تفاصيل الحياة اليومية الدقيقة وهذا ما كان يفعله سوق الصفارين في تجهيز الاحتياجات المنزلية الخاص بالمطابخ والاستخدامات اليومية الاخرى وقد برع الحرفيون العراقيون في الصفار واوضح الطرق على النحاس فنا عبر ذاته ولقد انتقلت هذه الحرفة او الفن من العراق الى مصر عن طريق احد الولاة الاتراك وبعدها نقلت الى دول اجنبية عدة".
فيما يقول الحاج فلاح الكرعاوي (احد أقدم الحرفيين في سوق الصفارين في النجف) بان " مهنة الصفارة من اهم المهن الحرفية في العراق اذ كانت تصنع جميع الاواني المطبخية مثل القدور الصحون والمصافي والتي كانت جميعها تصنع من مادة (الصفر) حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي حين اصدرت وزارة الصحة قرارها بعدم استخدام الاواني النحاسية لانها كانت تسبب التسمم انذاك فترك الناس استخدام ما يصنع من (الصفر) وبدأوا يستخدمون الالمنيوم (الفافون) عوضا عنه".
ويتابع الكرعاوي ان" تحول مهنة الصفارة من مهنة مهمة في حياة الفرد الى مهنة صناعة التحفيات والأنتيكة، وسوق الصفافير في النجف الاشرف ليس سوقا تجاريا وحسب بل هو تاريخ وارث النجف الشعبي والفلكوري".
وطالب الكرعاوي بوجوب الحفاظ على هذا السوق حيث ان تطور الحضارة والشعوب تقاس وفي احيان كثيرة على تاريخ ارثها الشعبي والفلكلوري ومدى اعتزازها به والعراق بلد زاخر بهذا الارث الشعبي والذي هو يمثل جذورنا العميقة وتاريخنا الاصيل وسوق الصفافير واحد من هذا الارث بل ويعتبر متحفا.
وأشار الى وجوب وضع ضوابط قانونية لجعل الحرفيين لا يتركون اعمالهم ومهنتهم التي توارثوها عن ابائهم واجدادهم.
ويقول جبار قاسم الهندي (40 سنة صاحب محل صفارة) ان " مادة النحاس أو ما تسمى (الصفر) هي المادة الأساسية في عملنا لصناعة الأواني المنزلية وأباريق الشاي والكاسات والملاعق وإطارات الصور والفوانيس والقدور ومقتنيات تدخل في الحياة اليومية للعائلة وايضا مقتنيات العروس (جهاز العرس) من صناديق خشبية مرصعة بالنحاس كان يوضع فيها جهاز العروس وحلي الطفل وحاجياته وغيرها".
ويتابع الهندي " ويسمى أصحاب المهنة الصفارون ويقسم عملهم بحسب مراحل الإنتاج فمنهم من يضرب على النحاس نحتاً باستخدام المطرقة والمسمار، وأكثرهم من صغار السن بينما يختص الآخرون بتصميم الزخارف التي ستُنحت على صفائح النحاس، في حين يعكف غيرهم على صقل المنتج بعد زخرفته وتلميعه أو يلوّن بعض أجزاء الصفائح المطروقة لتضفي لمسات فنية أكثر جمالية على الأواني، وبعضهم يرصعها بالأحجار شبه الكريمة أو يطليها بالمينا".
ومهنة الصفارة ليست كباقي المهن التي تشهد بين الحين والآخر ظهور حرفيين جدد كما يقول مهدي الطريحي (60 سنة صاحب محل في سوق الصفارين سابقاً) ان " مهنة هي توارثت أب عن جد حيث يتوارث الأبناء البراعة في الطرق على النحاس والقدرة على الخيال والابتكار، فهاتان يدان ترتجفان وهما تطرقان على النحاس تجدان متعة كبيرة في هذه العملية التي قد تبدو شاقة للآخرين ومع مرور السنين بدأت مهنة الصفارة تتآكل بسبب الحداثة ودخول الأواني الزجاجية والبلاستيكية وقبلها الفافون فبعد ان كان السوق يحتوي على ما يقارب 60 محل للصفارة لا يحوي الان سوى خمسة او ستتة محال والباقي تحول الى بيع الاقمشة او مواد الزراعة او الأغطية او الحلويات".

ويقول الحاج مزهر العرداوي (متبضع في السوق) ان " هذا السوق كان احد اكثر الاسواق ازدحاماً في الخمسينات والستينات اما الان لا ترى الا بعض والاواني المعلقة على الجدران وأختفت ضربات المطارق الحديدية المتزامنة مع بعضها بعضا هي سمته ودليل الافصاح عن الوصول اليه الان تضاءلت وتكاد ان تختفي بعد تقلصت وبشكل ملحوظ عدد دكاكينه".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق